صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
4645
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
وقال بعضهم : يمكن ذلك ، واستدلّ بما روي : « حسّنوا أخلاقكم » ولو لم يمكن لما أمر به ، وقال أصحاب هذا الرّأي : إنّ اللّه تعالى خلق الأشياء على ضربين : أحدهما بالفعل ولم يجعل للعبد فيه عملا ، كالسّماء والأرض والهيئة والشّكل . والآخر : خلقه خلقة ما ، وجعل فيه قوّة ورشّح الإنسان لإكماله وتغيير حاله وإن لم يرشّحه لتغيير ذاته ، والخلق من الإنسان يجري هذا المجرى في أنّه لا سبيل للإنسان إلى تغيير القوّة الّتي هي السّجيّة ، وجعل له سبيلا إلى إسلاسها ، ولهذا قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( الشمس / 9 - 10 ) ولو لم يكن الأمر كذلك لبطلت فائدة المواعظ والوصايا ، والوعد والوعيد ، والأمر والنّهي ، ولما جوّز العقل أن يقال للعبد : لم فعلت ؟ ولم تركت ؟ ، وكيف يكون هذا في الإنسان ممتنعا ، وقد وجدناه في بعض البهائم ممكنا ، فالوحش قد ينقل بالعادة ( والتّدرّب ) إلى التّأنّس ومن الجموح إلى السّلاسة « 1 » . هل يتغيّر حسن الخلق إلى خلق سيّىء ؟ إذا كان الخلق السّيّىء قد يتحوّل إلى خلق حسن باتّباع الشّرع والتّدرّب على الأخلاق الحميدة والمثابرة عليها فهل يتغيّر الخلق الحسن إلى سيّىء ؟ ، على هذا السّؤال أجاب الماورديّ فقال : ربّما تغيّر حسن الخلق والوطاء إلى الشّراسة والبذاء لأسباب عارضة وأمور طارئة تجعل اللّين خشونة والوطاء غلظة والطّلاقة عبوسّا ، فمن أسباب ذلك : الولاية الّتي تحدث في الأخلاق تغيّرا . وعلى الخلطاء تنكّرا ، إمّا من لؤم طبع ، وإمّا من ضيق صدر . ومنها العزل ، فقد يسوء منه الخلق ، ويضيق به الصّدر ، إمّا لشدّة أسف أو لقلّة صبر . ومنها الغنى ، فقد تتغيّر به أخلاق اللّئيم بطرا ، وتسوء طرائقه أشرا ، وقد قيل من نال استطال . ومنها الفقر ، فقد يتغيّر به الخلق ، إمّا أنفة من ذلّ الاستكانة ، أو أسفا على فائت الغنى . ومنها الهموم الّتى تذهل اللّبّ . وتشغل القلب ، . فلا تتبع الاحتمال ولا تقوى على صبر ، . وقد قيل الهمّ كالسّمّ . وقال بعض الأدباء : الحزن كالدّاء المخزون في فؤاد المحزون . ومنها الأمراض الّتي يتغيّر بها الطّبع ، كما يتغيّر بها الجسم ، فلا تبقى الأخلاق على اعتدال ، ولا يقدر معها على احتمال . ومنها علوّ السّنّ . وحدوث الهرم لتأثيره في آلة الجسد . كذلك يكون تأثيره في أخلاق النّفس ، فكما يضعف الجسد على احتمال ما كان يطيقه من أثقال كذلك تعجز النّفس عن احتمال ما كانت تصبر عليه من مخالفة الوفاق ، وضيق الشّقاق ، وكذلك ما ضاهاه . فهذه سبعة أسباب ، أحدثت سوء خلق كان عامّا . وههنا سبب خاصّ يحدث سوء خلق خاصّ ، وهو البغض الّذي تنفر منه النّفس ، فتحدث نفورا عن
--> ( 1 ) الذريعة ( 115 ، 116 ) ( بتصرف ) .